s
   

   
   
   

3 3-كانون الأول-2005
3 30-تشرين الثاني-2005.
 

درويش: «ليتني شمعة في الظلام»

 

  3 الرئيسية

  3 جريدة الحياة

  3 جريدة الدستور

  3 جريدة الرأي

  3 جريدة القدس العربي

  3 جريدة الغد

  3 الواجهة الانكليزية

عمان - سميرة عوض  - زين توقيع الشاعر محمود درويش اكثر من 1500 نسخة من مجموعته الشعرية الاخيرة «كزهر اللوز او ابعد» ، الامر الذي عكس حجم جماهيريته للشعر، خصوصا وانها المرة الاولى التي يوقع فيها درويش احد مجاميعه الشعرية في عمان، موجها السؤال لذاته : «كيف اتعلم كتابة الشعر في هذا الهزيع من العمر؟».

وامتد حفل التوقيع الذي اقيم في مسرح البلد في وسط المدينة ، الى التاسعة مساء يوم الخميس، بزيادة ساعة كاملة عما كان مقررا سلفا، في الامسية التي اقيمت بالتعاون بين امانة عمان الكبرى ومسرح البلد، وحضرها مندوبا عن امين عمان المهندس نضال الحديد ، نائب الامين العام المهندس عبدالرحيم البقاعي وعدد كبير من الكتاب والشعراء والمثقفين.

وكان درويش تمنى في مستهل كلمة الطمأنينة والخير والازدهار للبلد العزيز الكريم.
فهو عماني الاقامة والمحبة، ويسكن في منطقة عبدون منذ اكثر من عقد من الزمان.
يذكر ان عمان المحطة الثانية لتوقيع درويش، بعد رام الله، تليها حفلة توقيع في معرض بيروت الدولي للكتاب خلال الشهر الجاري.
ولبى درويش رغبة جمهوره العريض بقراءة قصيدته «فكر بغيرك» من الجزء الاول للديوان «انت» وفيها يقول:

 

 
وانت تعد فطورك، فكر بغيرك
(لا تنس قوت الحمام)
وانت تخوض حروبك ، فكر بغيرك
(لا تنس من يطلبون السلام)
وانت تسدد فاتورة الماء، فكر بغيرك
(من يرضعون الغمام)
وانت تعود الى البيت، بيتك، فكر بغيرك
(لا تنس شعب الخيام)
وانت تنام وتحصي الكواكب، فكر بغيرك
(ثمة من لم يجد حيزا للمنام)
وانت تحرر نفسك بالاستعارات ، فكر بغيرك
(من فقدوا حقهم في الكلام)
وانت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك
(قل: ليتني شمعة في الظلام)

رياض : درويش وقهر الظلمات
وكان الشاعر طاهر رياض اكد في كلمة قدم فيها الشاعر درويش قائلا : نحتفي بديوان محمود درويش الجديد، ونهنئ انفسنا به، وكلنا ثقة ان عبقريته لن تبخل علينا باعمال قادمة اخرى، شعرا، ونثرا، تضيف الحادثة ، بل اننا جميعا ما يقوينا على وعي الحياة ، وقهر الظلمات معبرا عن ترحيبه باسم امانة عمان ومسرح البلد وجمهور الشاعر بقوله: الشاعر الجميل محمود درويش... نحبك.
وقال رياض: نحن محظوظون. اعني نحن، عشاق الشعر ، عشاق الحياة عشاق الفن الرفيع، حين يتجلى باتقانه، ويفيض بجمالياته.
محظوظون ، على الرغم من كل مرارات عصرنا، وخيباته ومآسيه، على الرغم من كل البشاعات التي ترتكب كل ساعة في حق انسانيتنا، تارة باسم الحرية، واخرى باسم الدين، وثالثة باسم الوطن.
محظوظون... لاننا عشنا في زمن عاش وابدع فيه محمود درويش.... لانه يكتب بلغتنا، ويحمل هويتنا، وينهض بشعرنا العربي وثقافتنا العربية ليضعهما في اعلى مراتب الابداع الانساني.
واضاف: منذ تفتح وعينا الاول وهذا الشاعر يؤثث وجداننا بحب الوطن وحب الحياة وحب الجمال وحب الحرية.
وها هي السنوات تكبر، ونكبر معها، ويكبر حبنا لهذا الشاعر الذي ما خذلنا قط، ويكبر حبه لنا، وهو يبتكر مع كل ديوان، بل مع كل قصيدة جديدة يكتبها، افقا جماليا بكرا، يمنحنا بكرا، يمنحنا الى جانب المتعة، الامل والجرأة على الحلم.
وزاد: قلة من المبدعين، في حقول الفن كافة ، وعبر العصور كافة، تمتعت بتلك المقدرة على امتلاك القلوب بالغبطة ، وتغوير الارواح نحو اغوارها الاعمق اصالة وبراءة بالشعر وما تزال ، وهي في قمة مجدها، قابضة على اوج توهجها.
محمود درويش واحد من هؤلاء.
ونحن محظوظون لاننا بينه الآن.
ولانه اختار الاردن بلد مقامه الثاني، بالتوازي مع وطنه الام ، الذي لا بديل له: فلسطين.
سيرة درويش
وتحفل سيرته الشعرية ب(22) كتابا من المجاميع الشهرية اضافة لديوان الاعمال الاول في ثلاثة اجزاء صدرت عن «رياض الريس للكتب والنشر» كما صدرت من ذات الدار «الاعمال الجديدة» ولا تعتذر عما فعلت، «لماذا تركت الحصان وحيدا، «سرير الغريبة» ، «جدارية»، «حالة حصار» ، و«كزهر اللوز او ابعد» الذي لا قت فيه الذات الانسانية وهمومها وقلقها وتوقها للاهلين والحياة والحب التي امتدت على 202 صفحة توزعتها 34 قصيدة موزعة ثمانية ابواب اولها: انت ، هو ، هي، انا ، هي واضفى 1، 2، 3، 4 وجاءت منفى (4) بعنوان «طباق» وهي القصيدة المهداة الى ادوارد سعيد.
كما صدر للشاعر عن عدة دور نشر 16 ديوانا هي «اوراق الزيتون» عاشق من فلسطين، «اخر الليل»، «حبيبتي تنهض من نومها»، «العصافير تموت في الجليل»، «أحبك» ، او لا احبك، «محاولة رقم 7» ، تلك صورتها ، وهذا انتحار العاشق ، «اعراس» ، مديح الظل العالي، «حصار لمدائح البحر»، هي اغنية هي اغنية ، «ورد اقل» ، «ماساة النرجس» ، ملهاة الفضة ، «ارى ما اريد» و«احد عشر كوكبا».


كيف أتعلم كتابة الشعر في هذا الهزيع*


القارئ المجهول
الشكر والامتنان لكل من اسهم وشارك في هذا اللقاء: لمسرح البلد، ولامانة عمان، وللعاملين في الحقل الثقافي، وللاصدقاء والزملاء من الكتاب والشعراء في هذا البلد العزيز الكريم الذي نتمنى له الطمأنينة والخير والازدهار.
اما التحية الخاصة، فإنها موجهة الى القارئ المجهول، الذي تربطني به علاقة سرية لا مجاملة فيها، ومعاهدة ادبية لا وصي عليها غير الثقة المتبادلة والمشاركة الطوعية في حركة النص الشعري في اتجاهين:
من الذات الكاتبة الى الذات القارئة التي تمنح النص حياته الثانية، حين تعيد كتابته المجازية بطريقتها الخاصة كلها وجدت فيه صوتها وصورتها. اذ لا حياة حقيقية للقصيدة دون تحرك القارئ في اتجاهها ودون تحركها في اتجاه القارئ. فالذات الكاتبة ليست ذاتية الا في الظاهر. انها طرف في عملية مركبة يشكل المتلقي او القارئ طرفا حيويا في تحققها.
من هنا، اجد في نفسي القدرة على البوح بأنني بعيد، الى حد ما، عن ساحة الشكوى العامة من خطر القطيعة الذي يهدد العلاقة بين الشاعر والقارئ. فالقارئ، اعني قارئ الشعر المتمرس الموهوب، وهو ليس كتلة جامدة، بل حيوية متجددة ومتعددة، هو الذي يشجعني على تطوير ادواتي واساليبي بقبوله اقتراحاتي الشعرية المتغيرة، وهو بصفته ناقدي الاول من يساعدني على تطوير الافق الانساني لوطن قصيدتي، ويحرضني على ان نصغي معا الى اتباع الزمن، وعلى عدم التحجر في طريقة تعبير نمطية، نهائية الدلالة، اذ لا شكل نهائيا للشعر، فهو مفتوح على فضاء غير محدود، وعلى ديناميكية حياة تجري تعديلا دائما على ذائقتنا الجمالية.
من العبث اذن ان يعيد الشاعر قول ما قاله، وبالاسلوبية ذاتها، مئات المرات. فاللغة هي ايضا عرضة للشيخوخة المبكرة. واذا كانت للشاعر من مهمة تجاه لغته، بالاضافة الى مهامه الاخرى، فهي اعادة الحيوية والفتوة الى الكلمات كلما اصابها الارهاق، وانعاشها بالدهشة كلما وقعت في العادي الرماي. «ان الشاعر هو وسيلة وجود اللغة». وحين نتحدث عن دور الشاعر في المجتمع، فإننا ننحني احتراما لمشاركته في المظاهرة والاضراب تعبيرا عن التزامه الاخلاقي والوطني والانساني. لكن ذلك لا يعفينا من مساءلته عن مسؤوليته الجمالية تجاه الشعر عندما يكتب الشعر. فالشاعر يعرف بالشعرية فيه، لا بالمواطنة فحسب.
القضايا الكبرى قد تخلق وقد لا تخلق شاعرا كبيرا. لكنها تظل قضايا كبرى. والقضايا المقدسة لا تشكل حصانة جمالية لفن يتسلقها كالملصق والشعار. فالشعر، مهما قال وهدد وتوعد وقاتل وناضل، لا يعرف الا بخصائصه الجمالية التي لا تنفصل عن جماليات الحرية، والحب، والمقاومة النوعية لما يجعل الموت افضل من الحياة، وما يجعل الكينونة عدو الكائن.
لا يملك احد منا تعريفا كاملا او ناضجا للشعر.. هذا الكلام الخارج عن العادي والمألوف، الباحث عن التعرف على نفسه فيما لا يعرف مما سبق. لكنه يدفعنا الى القول: هذا شعر او هذا كلام يشبه الشعر. فهو دائما جديد مفاجئ يأتي من اللامتوقع. واللامنتظر. لا يكتمل الا لينتقص.. ولا كمال له الا في وعي النقصان.. لذلك هو صعب وممكن.. لان الحياة على هذه الارض صعبة وممكنة، ولأن المجهول هو جار الحلم.
لا علاقة بين قولي هذا وكتابي هذا، فبين ما نريد ان نكتب وبين ما نكتب فجوة لا نجتازها الا باعادة التجربة، وبين صورة الشاعر عن نفسه وصورته في مرآة الناس مسافات لا يختصرها الشاعر الا بتطوير ادوات النقد الذاتي، وبالتمرد الدائم على نتاجه، فإن تضخيم الذات بالنرجس ليس هو الدفاع السليم عن طبيعة الشعر المنفتحة على العالم.
ان نكتب كأننا نكتب للمرة الاولى، وان ندرك ان اوراقنا البيضاء ليست بيضاء، بل ملأى بآلاف النصوص السابقة، وان في داخل كل شاعر خارجا مزدحما بالناس والاشياء، وان الذات الفردية فردية وجماعية في آن واحد، هي احدى المخاوف الضرورية لكتابة قصيدة جديدة.
لن اتحدث عن كتابي، لأني لا اغبط الشعراء الذين يمتلكون الفصاحة الكاملة حين يتحدثون عن شعرهم، ويعانون كامل الركاكة حين يتحدثون عن غيرهم، ولانني لن اعرفه من فرط ما استقل عني. ولكنني سأسأل نفسي: كيف اتعلم كتابة الشعر في هذا الهزيع من العمر؟.


* نص الكلمة التي القاها درويش في حفل التوقيع