|
و نقرأها في لغتها , حيث يأخذنا التبدل الذي طرأ على الشعر العربي إلى
إعادة اكتشاف العلاقة الخفية بلغة الأجداد .
فنقرأ امتداداً لمثنّى امرئ القيس وقلق المتنبي داخل موسيقى جدلتها رؤيا
جديدة بحيث صار الامتداد قطيعة لا تحيل إلى الماضي , بل تعطي الماضي معنى
جديد داخل حاضر متغيّر . أو نقرأها في عالمها , بوصفها جزءاً من صوت شعري
متعدد اللغات , صبغ القرن العشرين بصرخة الحرية .
أو نقرأها بوصفها تجربة ذاتية كانت الذات فيها مرآة العالم , وكانت
القصيدة مرآة الذات , بحيث استطاع الشاعر في صوته المنفرد , إن يفارق
الصوت العام لحظة اندغامه به .
لذلك فهو عصّي على التحديد , وقادر على أن يصنع في المسافة بين المرآتين
تلاوين لا حصر لها .
تتعدد القراءات لشعر محمود درويش فهو في مراحله المختلفة وطبقاته .
المتعددة يحتمل اكثر من تأويل .
لكنني افضل قراءة التجربة الدرويشية بوصفها تجربة اغتسال الكلمات بماء
الشعر , أي تجربة اكتشاف دائم للكلمات التي تأتي موقعة بالتجربة .
معمودية الشعر, مثلما تتجلى في التجربة الدرويشية , لا لا يمكن فصلها عن
فلسطين .
فالارتطام الأكبر بالغرب , لم يأت في لم يأتي في الزمن الكولونيا لي,
بحسب افتراض أدبيات النهضة والحداثة .
الارتطام حصل على ارض فلسطين ومن خلال المشروع الصهيوني الذي أقام دولة
إسرائيل بالقوة , ومحا الاسم الفلسطيني , ولو إلى حين .
وكان الارتطام مأسوياً على جميع المستويات .
فالمرآة التي صنعتها إسرائيل لم تكن تتسع للضحايا .
على الضحية أن تمحي أمام الضحية اليهودية التي صارت جلاداً مستندة في ذلك
إلى دعم العالم الأوروبي الذي جعل من اليهود ضحاياه بامتياز .
في ارض الضحية اكتشف الفلاح الذي فقد أرضه , إن الأرض الوحيدة التي
يستطيع حراثتها هي اللغة .
صارت اللغة أرضه المؤقتة ,في انتظار أن تعود الأرض إلى لغتها .
وحين بدأ محمود درويش يحرث لغته – لغتنا , وسط هذا العطش العربي , لم يجد
أمامه سوى أن يغسل اللغة بالشعر , ويسقي الأرض بمائه , وتكتب نفسها في
مكان سري يقع بين الأغنية والملحمة ...
من: كتاب في جريدة رقم 39
3 كانون الثاني 2001
|