|
وهكذا حين
يُضَرّج المُقدّس بالدم , تبدو عودة الروح طقسية واحتفالية , على الرغم
من أنها لم تذهب تماماً , لكن تجليها كان في حاجة إلى تطابق الوعي مع
الإرادة .
انتفاضة
جديدة لتعليمنا درس البديهيات العسير , فليست فلسطين جغرافيا فحسب بقدر
ما هي أيضا تراجيديا وبطوله .
ولا هي
فلسطينية فقط , بقدر ما هي إخصاب لفكرة العربي عن نفسه , ومعنى إضافي
لمعنى وجوده , في صراعه مع خارجه ومع داخله , ليكون جزءاً من تاريخه
الخاص ومن التاريخ العام .
لم تبتعد
فلسطين عن حقيقتها , قبل هذا الانفجار , فقد كانت دائماً ما هي , هناك .
لكن الضباب
الذي غطى البصر لم يحجب الرؤية عن البصيرة .
إذ لم تسفر
الانعطافات التجريبية في السياسة, بعد , عما يُبَرّر انكفاء أحد إلى
خيمته الإقليمية .
فلن يصل
العرب إلى غدهم فُرادى , ولن يصل الفلسطينيون آلي القدس وحدهم وان كان
لدمهم دور الشرارة والقربان .
انتفاضة
جديدة لتعليمنا درس البديهيات العسير .
فلم يكفّ
الإسرائيليون عن شرح مفهومهم لسلام يريدونه مفروضاًَ بالقوة , خاليا ًمن
الأرض ومن العدالة , وهو سلام السادة والعبيد , الذي لا يعدُنا بأكثر من
حق الإقامة في ضواحي المستوطنات وعلى أطراف الخرافة .
لقد استنفد
الفلسطينيون كل رصيدهم في المرونة حول نفسها .
ودفعوا
ثمناً أعلى وأغلى مما تستحقه تسوية لا تتجاوز الاعتراف بحقنا في إقامة
دولة مستقلة على عشرين بالمائة من ارض وطننا التاريخي , دون أن يبدي
الجانب الإسرائيلي أي استعداد للانسحاب من متر واحد من مساحة أسطورته عن
ذاته وعن التاريخ , التي تعتبر وجودنا التاريخي في بلادنا وجوداً
احتلالياً غريباً على " ارض اليهود الأزلية – الأبدية " , الخالية منا
ومن التاريخ معا ... لا لشيء إلا لابتكار علاج ما لعقدة شرعية التاريخية
.
هذا هو
المفهوم الصهيوني للتطبيع , الذي " انطلى " حتى على بعض حكومات الأطراف
العربية البعيدة التي لم تكن لها ناقة في الصراع ,لكنها حَمّلت جملها
رسائل حب إلى إسرائيل , باب واشنطن العالي , منذ اتخذ الصراع الإسرائيلي
– الفلسطيني أشكالا جديدة , فهبت إلى إقامة علاقات " متوازنة " بين
إسرائيل وفلسطين , ليكون لها دور الوسيط المحايد في الصراع على القدس بين
الحقيقة الفلسطينية وبين الخرافة الإسرائيلية , بين الضحية والجلاد .
ألم تكن
فلسطين اكثر من ذريعة ...واكثر من جسر للعبور إلى ضدها ؟
لكن الشارع
العربي المطرود من السياسة , يعود اليوم إلى السياسة من باب المقدس
المخضب بالدم , ليعبّر عن تراكم المكبوت , وعن مدى القطيعة من النظام ,
الذي تمادى
في الحياد وفي التطبيع مع دولة , لم تفهم من التسوية غير ما يوفر لها
القدرة على أن تنجز , في مناخ السلام الكاذب , ما لم تنجزه في مناخ الحرب
, من هيمنة إقليمية , ومن راحة استفراد بالشعب الفلسطيني المحاصر .
لا سلام مع
الاحتلال , ولا جدول أعمال للتسوية إلا بعد جلاء الاحتلال – هذا ما يقوله
الشارع الفلسطيني والعربي الغاضب , بعفوية بليغة وبوعي عميق , وبإرادة
فولاذية , وبوحدة شعورية وفكرية كاملة لا يستطيع النظام العربي تجاهلها
لمتابعة دوره في الوساطة .
فان خيار
السلام لم يكن يعني أبدا إخماد روح المقاومة والتخلي عن ثقافة المقاومة ,
والشروع السريع في تطبيع العلاقة غير الطبيعية مع الاحتلال .
وإلا , فكيف
نقرأ الجنون الحربي الإسرائيلي العام ؟ وكيف نقرأ هتافهم : الموت للعرب ؟
أما نحن ,
فلا نملك غير جنون الدفاع عن القدس , وعن السلام , إذا كان السلام هو
الابن الشرعي للحرية , ولا نملك إلا جنون الدفاع عن اخوة الطفل محمد ,
الجالس في حضن أبيه , مثل يسوع في قلب أيقونة .
جريدة
الدستور الأردنية، 2002 |