حوار محمود درويش مع الفضائية اللبنانية
رصد وتحرير محمود الظاهر

في حواره المطول ضمن برنامج " حوار العمر " الذي بثه تلفزيون ال " ل بي سي "  اللبناني تطرق الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش إلى الكثير من مفاصل تجربته الشعرية والنضالية والسياسية, وقد كان في إجاباته على المفصل السياسي من هذا الحوار, وارتباط شعره بهذا المفصل توهج ووعي لا التحليلات السياسية السائدة التي لا تعرف الآخر ولا تعيه, لذلك كان لا بد من رصد هذا الحوار السياسي الهام, وتقديمه لقراء الدستور باعتباره وثيقة واعية من مبدع كبير قادر على إيصال خطابه إلى  مختلف فئات المجتمع العربي. 
سؤال الحرية.. سؤال الجمال...

احب أن أبقى مستمراً في اسر نفسي في سؤال الحرية وسؤال الإبداع الذي يثبت الأرض في اللغة ويجعل المنفى نمطيا, حين يجعل الوطن مكاناً لتفتح حق الناس في الإبداع, وفي الفرح بالحياة والدفاع عن كرامتهم, ونحن نؤسس جميع مشروعا جماليا لا يهدف إلى اكثر من دعم فكرة أن بوسع الجمال أن ينقذ العالم وينقذ الفرد.
سؤال الشعر.. سؤال الإنجاز
أنا انزعج من شيء واحد, أن تعرف بطاقتي الشعرية بالبعد السياسي فقط, منذ أربعين عاما وما زلت أعاني من ملاحقة قصيدة معينة, من جهة أخرى فأنا لا أستطيع أن امنع الناس من امتلاك نصهم الشعري الخاص بهم, لام القصيدة عندما تكتب تصبح ملك القارئ الذي يعيد كتابتها من خلال التعامل معها, وأي نص غير مقروء هو نص ميت فإذا كان القراء يجدون أنفسهم أو حنينهم أو صلابتهم الذاتية في نصوص لا احبها كثيراً, فليس من حقي أن اعتدي على هذه العلاقة, مع أن الشاعر يتمتع بأنانية أن يجر الناس إلى احدث إنجازاته في الشكل أو التعبير أو في البنية الشعرية الجديدة فأنا قد تدربت عن الكف عن الشكوى.
 سؤال الجمال.. سؤال الأخلاق

أخاف من شعري وعلى شعري, أخاف من شعري انه قد يغريني بالعثور على تعويض عما هو خارج الشعر, وقد يؤسس لي عالمي المتخيل الذي تمكنت من بنائه وفقا لقائمة متطلباتي ورغباتي وحريتي, وبالتالي قد يصبح البحث عن جماليات الشعر ذا نزعة غير إنسانية أحياناً بمعنى أن هناك شعر ضميري, كيف نحول هذا الضمير إلى جماليات, هذا سؤال أخلاقي مطروح على أي شاعر يحدق في المسألة, أخاف من شعري أيضا أن ينمطني بأن يخلق لي صورة تعيق التواصل الإنساني العادي بيني وبين الآخرين, لان شخصية شعري ربما تكون غير مماثلة تماماً لشخصيتي العادية, فأحيانا يتعامل معي الناس على أساس أنني شاعر على طول الخط اكتب الشعر على مدى أربع وعشرين ساعة, مع إنني أحيانا لا اكتب أربعاً وعشرين ساعة في العالم صحيح أنني شاعر, لكن بقية حياتي عادية فيها الضعف وفيها القوة وفيها المشاعر الإنسانية والمتطلبات العادية, وقد يشكل سلوكي العادي صدمة أمام من لا يجد تفريقاً بين الشاعر وبين الناس فمسألة تخلق للشاعر صورة ليست قريبة من الحقيقة.
الشعر حالة والشاعر يتغير ويغير نفسه, يتعذب ويفرح, فصورة الشاعر عند العرب بشكل خاص ما زالت منزهة عن أي سلوك يؤذيها, هذا هو خوفي من الشعر, أما خوفي على الشعر فهو خوف من نضوب الشعر, فنحن معشر الشعراء داخلون في مخاطرة لا ضمانات على الاستمرارية, ولا ضمانات للنجاح, وأنا أتحدث عن نفسي فأقول أنني في كل مرة اكتب فيها قصيدة, اذهب للكتابة كأنني أتعلم كتابة الشعر لأول مرة, وفي كل مرة اعتبر نفسي أنني أكتب القصة الأخيرة, إذن هناك دائماً توتر وقلق وصراع مع مجهول, ومع طاقة غير مسيطر عليها, إذن هناك مغامرة دائمة, وخوف دائم من الشعر وعلية.
 سؤال الشعر.. سؤل الحلم

الحلم لا ينتهي, ولكن هناك حالات نمر بها, يكون فيها الشعر مهدداً, إذن كيف نحتفظ بقدرتنا على الحلم, صحيح أن الشعر حلم, وأنا يعجبني تعبير لأحد الشعراء الإيطاليين يقول فيه :
" الشعر حلم يحلم في حضور العقل " فالشعر ملازم طبعاً للهم الإنساني, مدى قياس حرية الشخص يرتبط بمدى قدرته على أن يحلم دون أن يكون هو نفسه رقيباً على أحلامه, نحن نعيش في مناطق متوترة ومتأزمة أصبحنا فيها رقباء على أنفسنا, فكثرة التعامل مع الرقابة والإدمان عليها قد تحول الشخص إلى رقيب على نفسه, لكن في الشعر يبدو أن الإحساس بوجود الرقيب قد يطور جماليات الشعر, وأنا في رأيي إن أي قصيدة يفهمها الرقيب ويمنعها يكون العيب في القصيدة وليس في الرقيب, على القصيدة أن تكون أذكى واكثر جمالية وأكثر حرية ملتبسة على فهم الرقيب المباشر لها, فالشعر الجميل والشعر الحقيقي هو الذي يعتمد على حركة المعنى وليس المحدد, والذي يتناول الأشياء تناول غير مباشر, يستعصي على الرقيب, وربما يحبب الرقيب بالعمل.
الشعر الذي يقول رسالة واضحة ومحددة يكون مفتقراً إلى شروط جمالية أساسية.
 سؤال أوسلو.. سؤال مدريد
سؤال الخيارات من اصعب الأسئلة التي قد يوجهها الأخ ياسر عرفات إلى نفسه, صورة الوضع الإقليمي والدولي عشية أوسلو, وصورة محبطة وسوداء, تركت العرب دون خيارات, خيارات حُره, ودون قدرة على صياغة مشروع عربي واحد للسلام, وتحديد استراتيجية عربية للسلام, طبعاً هناك مشاريع عربية للسلام ولمن لم يلتزموا بها ولم يذهبوا للسلام معاً.
صيغة مدريد, كانت سياسياً معقولة, ناتجة عن الظرف الإقليمي الجديد, ولكن إذا كان لعرفات خيار أو آخر في اتفاق أوسلو, فإن من المتحفظين عن القول أن طريق مدريد توصل أوتوماتيكياً إلى أوسلو, ولا شارك بعض الاخوة الفلسطينيين المدافعين عن أوسلو, بأن مدريد هي الأب الشرعي لأوسلو, بالعكس إن أوسلو بعثرت إمكانيات محتمله كانت في صيغة مدريد, أنا اعرف انه كان في موقف صعب, فأنا اعرف إن أزمة منظمة التحرير وأزمة رئيسها الأخ ياسر عرفات كانت أزمة معلنة, لكن هل هذه الأزمة كان ينبغي للقيادة السياسية أن تحلها عن طريق أوسلو؟ قد نقول إن أوسلو قد حلت مشكلة تتعلق بمنظمة ولكنها لم تحل مشكلة الشعب الفلسطيني, وأنا اعتقد أن الأولوية في الاهتمام السياسي, المشروع السياسي, هي الشعب وليس أداة التعبير عن مشكلة الشعب, فلذا قد تكون أوسلو حلاً ما للمأزق التنظيمي والإداري والسياسي للقيادة السياسية ولكنها لم تحل مشكلة الشعب الفلسطيني, اللازمة قائمة حتى الآن حتى بعد اتفاقية أوسلو, وكنت أنا من الذين يعتقدون رغم كل نقدي لنص أوسلو, أن الواقع الفلسطيني في ظروفه الجديدة المليئة بالزخم والحيوية وحركة المجتمع, قد يجري تعديلاً لمصلحة الشعب الفلسطيني, أو أن القراءة الفلسطينية للاتفاق على مستوى التطبيق والأداء والإدارة والعناد في الوضع التفاوضي قد تجري تعديلاً ولكن للأسف الشديد أن الواقع أيضا يطابق إلى حد ما الجوانب السلبية للاتفاق نفسه, علماً أن المجتمع الفلسطيني في مأزق وليس فقط القيادة, فالأفاق تبدو الآن مغلقة والمستقبل شديد الغموض والماضي, بعيداً جداً والحاضر محموم معبأ بمشروع غيتوهات, فالمأزق أكبر مما هو معلن, والمأزق لا يمس الآن القيادة السياسية فقط, بل يمس أيضا طموحات المجتمع وقدرته على إيجاد خيارات نضالية للخروج من هذا المأزق, وفي إدارة الصراع الذي ما زال مستمراً بين الاحتلال وبين المجتمع الواقع تحت الاحتلال, فاخطر ما في الموضوع أن بعد هذه سنوات من التجريب أن السلام ما زال بعيداً, وربما ما زال ابعد, واخطر شيء يتعرض له السلام الآن ليس فقط أن العملية مهددة, أنا برأيي أن العملية, غير مهددة, العملية ستواصل التحرك الخالي من المحتوى, إلى أمد بعيد, وتجري مفاوضات واجتماعات ولقاءات, ولكن كل هذه اللقاءات ستكون خالية من المضمون, اخطر ما يتعرض له السلام هو أن فكرة السلام نفسها كمصلحة وطنية وكقيمة أيضا هي المهددة بالاغتيال.
 سؤال الشعب.. سؤال المنظمة
فيما يتعلق بان الشعب الفلسطيني والمنظمة شيء واحد, هذا تشخيص غير دقيق, منظمة التحرير هي أحد الانجازات الكبرى للشعب الفلسطيني, يعني هي ليست أكثر من الممثل والمعبر عن مشروع الشعب الفلسطيني في العودة وفي الاستقلال, وكانت في مرحلة ما هي عنوان البحث عن حل للقضية الفلسطينية, والبحث عن مخرج, لأنه لا يمكن لمجتمع أن يصل إلى حل دون أن يكون له معبأ سياسياً وممثلاً سياسياً ولكن هذه الأداة السياسية ليست جامدة وليست نهائية, بل يمكن أن تتكيف وتتغير وتجري عليها تعديلات, فأنا لا اطعن بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية, ولكن لا أقبل القول أن الشعب والمنظمة هما شيء واحد. لان المنظمة هي إنتاج هذا الشعب في ظروف سياسية معينة, والشعب هو الذي يحدد وله حق الرقابة على مصداقية أداته السياسية وعلى الحكم عليها, وبالتالي فان الأساس هو الشعب والمنظمة هي الأداة, في هذا الموضوع ماذا حصل, حصل أن المنظمة قد تكون حلت مشكلة التمثيل السياسي للفلسطينيين, ولكنها لم تحل مشكلة المجتمع الفلسطيني.
هذا هو الرد على الشق الأول, أما الشق الثاني, كما قلت أن من السابق لأوانه, ومن الصعب الحكم عن مدى امتلاك ياسر عرفات لحرية الخيارات, هذا الموضوع سيبحثه المؤرخون, ولكن قبل أن يبحثه المؤرخون, الواقع الظاهر يقدم إجابات على هذا السؤال, فالواقع الراهن لم يتقدم.
 سؤال السلام.. سؤال الوجود
الشعب الفلسطيني موجود على أرضه, ولو لم يكن الشعب الفلسطيني موجوداً على أرضه, لما اضطرت إسرائيل إلى البحث عن صيغة للسلام مع هذا الشعب, الشعب موجود, وأوسلو لم يأتي بالفلسطينيين من الشتات إلى الوطن, الشعب الفلسطيني موجود, وفي أي نظره لما يحصل ألان, علينا أن لا ننسى أن وجود الشعب الفلسطيني على أرضه هو الذي جعل حتى أوسلو ممكنة, لو لم يكن الشعب الفلسطيني على الأرض الفلسطينية, ولو كانت الأرض الفلسطينية خالية من الشعب الفلسطيني كما رأت الصهيونية منذ مدة طويلة
لما جرى اتفاق مع أي شبح, أنا لا أستطيع إن اعدد كل المزايا التي يحددها المترافعون عن أوسلو و التي تقول أن أوسلو ثبتت الشعب الفلسطيني, لكنني أقول أن الإسرائيليين يعترفون الآن بحقيقة سياسية وبواقع سياسي للفلسطينيين, ولكن من المفارقات العجيبة أن اتفاقية أوسلو المجحفة والتي تحتاج لتعديل مصلحة الشعب الفلسطيني, لا تنال رضى الإسرائيليين, ويريدون أن يتجاوزوها, لان المجتمع الإسرائيلي كما عبر عن نفسه في الانتخابات الأخيرة باختياره نتنياهو ولمجموعة المتطرفين الذين يعيشون خارج التاريخ, هذا المجتمع أعلن بهذه الانتخابات انه غير ناضج حقيقة للسلام, بل حتى لو كان هنا نضوج للسلام, فأنه متردد تجاه هذه الخيارات, ومع ذلك علينا أن نرى صورة أخرى, وهي أن المجتمع الإسرائيلي منقسم على نفسه تجاه نفسه هذه المسألة,ولا ننسى إن كل تراث ما يجري الآن, هذا الاتفاق وهذه الصيغة, وهذه التحليلات, وهذه التجزئة للمناطق إلى أقفاص, وكسر والوحدة الجغرافية للأرض, وكسر وحدة الشعب الفلسطيني وتوزيعه إلي أصناف ومجموعات اثنيه غير مشتركة في مشروع واحد, كان من إنتاج ومن كتابة حزب العمل
 سؤال التجربة.. سؤال الانتفاضة
الشعب الفلسطيني طيلة تجربته الوطنية الطويلة, برهن انه غير قابل للإفناء بعد الآن, يعني في معركة البقاء الجسدي والسياسي والثقافي, تمكن الشعب الفلسطيني من أن يتجاوز خطر الإبادة, الآن كيف يعبر الشعب الفلسطيني عن رفضه هذه المشكلة سيلان تواجه الشعب الفلسطيني.
المسألة الثانية ما المشروع الفلسطيني الذي يوحد الفلسطينيين الآن, في مرحلة تجريبية, دخلناها دون أدوات ومنطلقة من إدراك أن مصلحة إسرائيل في السلام معنا, تعادل مصلحتنا في السلام ؟
الواقع أن مصلحة إسرائيل ليست في إقامة سلام حقيقي مع الفلسطينيين, إنما مصلحتها هي إرضاء الفلسطينيين بحل ما, من اجل أن تذهب إلى المصلحة الأساسية وهي إقامة علاقات طبيعية مع العالم العربي, فإذن لو أدركنا بانتباه اكثر وبثقة اكبر, مدى حاجة إسرائيل للسلام مع الفلسطينيين فربما حصلنا على شروط افضل, ولكن كل ما نقوله ألان, متأخر الواقع موجود والمأزق موجود, وهناك حتى الآن ما يجمع السلطة مع المجتمع هو أن كليهما خاضع أو ربما نقول تحت الاحتلال, إذن في محاكمة السلطة هناك ضرورة للتمييز بين شيئين, في المشروع الوطني ما زالت السلطة الفلسطينية تحمل مشروع الخلاص من الاحتلال وبناء الاستقلال الفلسطيني, إذن على مستوى القضية الوطنية, المجتمع والسلطة يقفان في خندق واحد ضد الاحتلال, أما في محاكمة السلطة الوطنية على المستوى الأداء الداخلي وعلى المستوى الإدارة, وعلى السؤال الديموقراطي, فهناك تمييز بين المجتمع وبين السلطة.
 سؤال الموقف.. سؤال الضمير
علاقتي بالأخ أبو عمار لم يمسها أي سوء ؟ ليس خلافاً شخصياً, لنل قدمت مرافعتي في نقد أوسلو, ولكي أكون دقيقاً مع المشاهدين, بعد كل النقد الذي قدمته, قلت إنني لا أستطيع أن اقبل هذا الاتفاق, كما لا أستطيع أن ارفضه, لان ضميري لا يتحمل صواب الإجابة أو صواب تقديم إجابة نهائياً, حول هذه المخاطرة سميت هذا الاتفاق مخاطره تاريخية, لذلك بعد أن اقر هذا الاتفاق من المؤسسات الرسمية, اصبح هناك واقع, دعوات إلى التعامل مع المجتمع الفلسطيني, بغض النظر عن هذا الاتفاق, لأننا لا نستطيع أن نبقى بعيدين عما يجري هناك مكتفين براحة ضمير, نقول أننا لا نوافق على ذلك, هناك شيء موضعي يجري, هناك شيء جديد يجري, هناك مجتمع رحب بوعد انتهاء الاحتلال وهناك فرح عام شاهدناه جميعاً على شاشات التلفزيون على الأقل, وقد قلت في إحدى مقابلاتي إنني أتفهم فرح الفلسطيني عندما يرى الاحتلال يخرج من غرفة نومه, ولكن الاحتلال ما زال في الصالون, ومازال يحاصر الحديقة, وما زال يحمل مفتاح الباب, هذا هو الفرح فرح إنساني ومشروع, واصبح الناس يشعرون بآمن وأمان اكثر, ولكن على مستوى المشروع الوطني الكبير,
هناك أسئلة جديدة تطرح علينا ومأزق حقيقي لا يهدد. فقط الوضع الفلسطيني, بل يهدد الوضع الإسرائيلي نفسه, هناك الصراع الإسرائيلي الداخلي أيضا حول هذه المسألة, يجب أن يعنينا, ويجب أن نصغي إليه جيداً.
 سؤال الوعي.. سؤال التطبيع
سؤال التطبيع سؤال دارج وشائع وشائك, يؤرقنا جميعا, ولست وحدك من تساوره شكوك الإجابة, وأيضا تساوره شكوك الخروج من وعي العدو وتحويله إلى خصم, أو وعي التعايش مع هذا العدو, ومن حق قانا أن تصعب عليك السؤال وتصعب علينا جميعاً هذا السؤال, أنت تعرف أن قانا قد آثارها السياسي نسبياً لأنها أسقطت من العرض الإسرائيلي أبطاله, فيما يتعلق بالتطبيع, أنا أريد أن تميز بين ثلاثة مفاهيم في هذا الموضوع, هناك أولا المعرفة, معرفة الآخر هي مسألة ثقافية, ولا نستطيع أن ننجو منها, ونحن في حاجة إليها, نحن في حاجة إلى معرفة الآخر, ليس فقط لنطور معرفتنا بالذات, كما يقول السؤال الفلسفي, ولكي نعرف كيف نصالح الآخر, أو كيف نكافح الآخر, يعني سواء كان خيارنا سلمياً, أو خياراً صراعياً علينا أن نعرف أننا لا نقاتل أشباحا ولا نصالح أشباحا, فهذه مسألة ثقافية, لا اعتقد أن هناك جدلاً فكرياً بشأنها.
المفهوم الساخر هو الحوار, الحوار برأيي هو شأن شخصي, اعتبره خياراً شخصياً, من حق أي كاتب فينا, أن يصافح أو لا يصافح كاتباً إسرائيليا آخر على المستوى الشخصي, أنا من الأشخاص الذين لا يجدون صعوبة على المستوى الشخصي في رفض الكلام مع كاتب إسرائيلي, وذلك لأمور تتعلق بتربيتي وبنشأتي, ذلك لأنني كنت أعيش في هذا المجتمع ولي صداقات مع هذا المجتمع, فأنا لا أستطيع أن اعتبر الحوار مع كاتب إسرائيلي هو موافقة على سياسة إسرائيلية, خاصة أن علينا أن نميز بين مواقف الكتاب الإسرائيليين, وانهم ليسوا شيئا واحدا هناك, كتاب كتبوا عن الانتفاضة افضل مما كتب الفلسطينيون, ديفيد غروسمان على سبيل المثال هو الذي تعرض للانتفاض الحقيقية في كتاب الزمن الصفر,
ولم يكتب الفلسطينيون مثل هذا الكتاب, إذن موضوع الحوار مع كاتب هو مسألة فردية ويجب أن تبقى في النطاق الفردي, ويجب ألا نحولها إلى مطلب عام, لان الحوار بين الكتابالإسرائيليين والعرب أو الفلسطينيين, حتى يصبح مطلباً صالحاً للطرح يحتاج إلى ظروف أخرى, والى تحديد أهداف محددة, وليس من اجل أن نقول أننا انسانيون وأننا منفتحون وإننا متسامحون. وفيما يتعلق بمؤتمر كوبنهاجن, أنا لا اعتبر اتفاق كوبنهاجن أحد أشكال الحوار بين المثقفين العرب والإسرائيليين, لأنه لم يكن حوار مثقفين, كان اجتماعا حضره بعض رجال الأعمال, وبعض العسكريين السابقين وبعض المثقفين, وأنا رأيي إن الضجة التي أثيرت حوله, مبالغ بها, ولم تم تجاهلها أنسيت, وأنا أريد أن أقول لك شيئاً آخر وهو أن الصحافة الإسرائيلية لم تذكر اللقاء, وكأنه لا علم لها به.
ولكنني أريد أن أعود إلى موضوع الحوار, فأقول أن أي حوار يخص أفراد ولا يتحول إلى مطلب عام, وعلينا أيضا أن نميز بين الظروف الخاصة للفلسطينيين الذين يعيشون على ارض واحدة مع الإسرائيليين, في علاقة صراع وليس في علاقة تطبيع العلاقة بين المجتمع الفلسطيني والإسرائيليين هي علاقة صراع, وعلى المثقفين الإسرائيليين أن يعبروا إن أرادوا الحوار عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني, وان يطوروا في الوعي الإسرائيلي فكرة انه لن يكون مجتمعاً حراماً ما دام يحتل مجتمعا أخر.
أما فيما يتعلق بالتطبيع فأنا جوابي لا يحتاج إلى أي ديباجة ولا يحتاج إلى تعقيد أقول بكل صراحة, لا يمكن إقامة علاقات طبيعية بين مجتمع خاضع للاحتلال, وبين مجتمع محتل والتطبيع الموجود ليس تطبيعاً ثقافياً.
التطبيع الثقافي مصطلح غامض وملتبس, وليس في وسع أحد أن يجر الثقافة إلى إقامة علاقة مع ثقافة أخرى غير سائدة, إلا بمدى حاجتهم للثقافة إلى أن تجد نفسها في ثقافة أخرى, فأذن الحوار الذي يجري البحث عنه ليس حواراً حول الثقافة, انه حوار وتطبيع سياسي موجود وملموس, وهناك اكثر من بلد عربي يقيم علاقات اقتصادية مع إسرائيل, اعتقد أن مقاطعة التطبيع والدعوة إلى مقاطعة التطبيع مع إسرائيل, أحد شروط إرغام إسرائيل على أن تفهم السلام بشكل صحيح لذلك لقول بصوت عال, أنا ضد التطبيع ما دامت أسباب المقاطعة موجودة, وما دامت إسرائيل تحتل ارض لبنان وارض سوريا وارض فلسطين, إذن أنا أميز بين المعرفة والحوار والتطبيع, موقف التطبيع موقف صارم وواضح, أقول أن الكلام عن التطبيع الثقافي هو هروب من بعض المثقفين العرب, ولكن لا شك أن التطبيع الحقيقي الموجود هو تطبيع سياسي اقتصادي, لان التطبيع على هذا المستوى غير مفهوم, وغير موجود, و أوشك أن يكون الإسرائيليون معنيين بالتطبيع الثقافي أو يسألون عنه, هم يريدون أن يبقوا غرباً في الشرق الأوسط, ولا يريدون أن ينفتحوا على ثقافة الشرق الأوسط, لو ذهب العرب إلى السلام بمشروع عربي وبتخطيط واحد وبسياسة واحدة, لكان التطبيع يشكل خوفاً على الإسرائيليين, لان الإسرائيليين لا يريدون أن يندمجوا أو أن يندرجوا في ثقافة المنطقة وهي ثقافة عربية, انهم يصرون أن يحتفظوا بمركز قوتهم, أي انهم غرب في الشرق.
 سؤال الصراع.. سؤال القدس
لا قلب لفلسطين دون القدس, القدس لها عدة أبعاد, أبعاد سماوية, و أبعاد أرضية و أبعاد حضارية و أبعاد فكرية و أبعاد ثقافية و أبعاد واقعية, اخطر مما تتعرض له القدس الآن على مستوى التعاطي الرسمي العربي معها, لأنها قد تتحول إلى موضوع ديني, فإذا حددنا بان الصراع حول القدس بأنه صراع ديني, فان الحل لهذا الصراع يصبح سهلاً جداً, حيث أعطي المسيحيون والمسلمون إمكانية الصلوات في كنيسة القيامة وفي المسجد الأقصى, وتبقى القدس تحت السيادة الإسرائيلية.
لذلك يجب التخلي عن إنزال السماء إلى الأرض قليلاً, وإبقاء الأنبياء في أماكنهم لأنه يجب ألا يزيد الصراع بين الأنبياء كي لا يوقعنا في صراع لاهوتي.
يجب أن تكون المدينة مدينة تعدد وتسامح وسلام حقيقي, القدس في المشروع الإسرائيلي هناك إجماع عليها, وهذا هو ما يجعل المسألة السياسية صعبة من الإسرائيليين, فلا خلاف بين التيارات السياسية الإسرائيلية حول مدينة القدس, فكلهم يجمعون على إنها يجب أن تظل عاصمة إسرائيل إلى الأبد, طبعاً التعامل مع مصطلح إلى " الأبد " هو عبارة عن محاولة للخروج من التاريخ, أو إخضاع التاريخ والزمن للإرادة الإسرائيلية.
القدس إحدى القضايا الشائكة جداً, ويجب التخلي عن التعاطي معها حسب المعطيات السابقة, فهذه المدينة فيها شعب وليس فيها أنبياء, فيها شعب ومجتمع, وهو شعب يهجر ويتعرض لمضايقات ويتحول وجوده إلى غيتو محاصر, وتتوسع القدس إسرائيليا بحيث يصبح حلها صعباً.
معركة القدس معركة لا تعني الفلسطينيين فقط, بل تعني الآمة العربية وتعني المسلمين وتعني المسيحيين, هذا هو الجانب الديني الذي يجب أن يستفز حيث انه يجب ألا يسمح لإسرائيل باحتكار الأرض ولا باحتكار التاريخ ولا باحتكار الله أيضا, فالله للجميع, التوراة تراث إنساني, وليست لدينا مشكله معها, المعركة هي حول مشروع سياسي إسرائيلي يريد أن يستخدم سلاح الخرافة وسلاح الدين وسلاح القوة معاً.
لا فلسطين بلا القدس, ولا القدس بلا سلام ولا ضمير حقيقياً إنسانيا إذا بقي هذا الضمير متفرجا على موضوع الاستيلاء والهيمنة والسيطرة الإسرائيلية على القدس. 
جريدة الدستور الأردنية
الجمعة 23 أيار 1997

 



 

الرئيسية
المقدمة
سيرة حياته
مؤلفاته
نصوص مختارة
قراءات
البوم الصور
مقالات عن محمود درويش
فيديو
سجل الزوار
English