سقوط الحصانة عن الشعر والشاعر
بقلم حبيب الزيودي

ينفي محمود درويش في حواره الأسبوع الماضي مع الفضائية اللبنانية ( ال. بي. سي. ) العلاقة بين الشاعر والنبي, وفي ضوء هذا الفهم لهذه الاستقلالية يسقط الحصانه عن الشعر والشاعر مع كل ما تكلفه هذه الحصانه من مفاهيم تجعل الشاعر فوق المساءلة, فالشاعر لا يقرأ الغيب أو يفتح أسراره ويفك طلامسه, وضمن هذا الفهم يحصر درويش وظيفة الشاعر ويضعه أمام مهمته الحقيقية وهي تقديم رسالة جمالية تتمرد على الثوابت وتبحث دائماً عن كل ما هو جديد ومثير ومجهول.
والذي أعاق الشعر العربي عن تطور طوال قرون خلت, هي الضمانات التي جعلت الشعراء يتمتعون بوراثة الأنبياء وإن كانت تلبس عمائم مختلفة تكفل لكل من يتقن العروض أن يضع نفسه فوق البشر العاديين, ويمضي في الشعر حيثما ماجت به تفاعيل البحر أو قاده زمام القافية.
وجدد درويش في حواره الغني هذا ثوابته الشعرية فهو شاعر غنائي, وهروبه من الغنائية أحيانا أو وقوفه بين الإيقاع والنثر ليس وقوف المحايد, فهو لا يخرج من الإيقاع ولا يدخل في النثر, وإنما يقف في المنطقة التي تؤهله لاستخراج كل ما فيهما من مثيرات تغري الشعر بالمغامرة والبحث الدائم عن الجديد.
جاب درويش عن السؤال الدائم الذي يطرح عليه في المقابلات, والذي يتعلق بطموحاته في الوصول إلى العالمية دون التخلي عن هويته الشعرية كشاعر عربي فلسطيني.. حيث يؤكد أن الترجمة لا تضمن لأي شاعر الوصول إلى العالمية, وفيما يتعلق بتجربته هو يؤكد, بالرغم من ترجمة كل أعماله الشعرية إلى اللغات الحية.
بأنه لا يدري هل وصل إلى العالمية أم لا, ولا ينفي زهده بالترجمة, ولا يخفي زهده بدور النشر الغربية التي توزع آلاف النسخ من أعماله المترجمة, ويعيد تأكيد طموحه إلى سعيه الدائم إلى التأثير في لغته وثقافته, فالقيمة الحقيقية للشاعر هي القيمة التي يحققها في ثقافة أمته وقدرته على تجديدها والإضافة إليها.. فهو زاهد في العالمية ومتشبث بثقافته العربية.
وعلى مدى رحلته الشعرية كان درويش يوظف كل طاقاته في بناء النص الجديد, ثم يوظف كل الطاقات بعد إنجازه لهدمه وتجاوزه, وبناء النص الذي يليه بأدوات مختلفة فهو يدخل إلى الشعر من بوابات مختلفة, ولا يعيد طرق الباب مرتين, فقد دخل إلى ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيداً " من بوابة السيرة الذاتية للمكان والذات, وذهب إلى " سرير الغريبة " من بوابة الحب, ليستقر في " جداريته " في ظلال إحساسه بتجربة الموت.
الشاعر ناقد نفسه, في هذا التنقل بين الموضوعات والكتب والقصائد, ومهمته الحقيقية كما يعلن درويش أن يضيء المناطق المعتمة والجديدة, وان يأخذ القارئ إلى اللامتوقع الذي يضمن للشاعر والمتلقي الاستمتاع بلعبة الشعر.
خلاصة ما يتمناه درويش كشاعر وكفلسطيني أن يتحول إلى إنسان عادي, وحسب تعبيره العفوي الذي لا يخلو من الدعابة يتمنى أن يحلم مثل سائر خلق الله أحلاما عادية وسخيفة, وان يصل الفلسطيني إلى حالة الخلاص من فكرة البطل والضحية, ولكنه يؤكد أم كل فلسطيني هو عبد فلسطين حتى يتم التحرير, وقبل أن يصل الفلسطيني إلى ذلك فان حريته لا تكمن ألا في هذه العبودية.
وحول الخاص والعام يؤكد درويش انه يصل دائماً إلى العام من خلال الخاص وضمن هذا الفهم تحدث عن قريته وأحلامه الصغيرة وأمه " التي تلقي في قصيدته الأخيرة شالها " وعن ميراثه الثقافي الذي يتمثل في كل ما ورثته هذه المنطقة من سلالات ورسالات وثقافات, فهو كما صرحّ في بعض قصائده " ابن الساحل السوري " بكل ما سكبه هذا الساحل في ضميره من ثقافة وتاريخ وشعر وأسئلة ستظل متجددة على الدوام.... 

  جريدة الرأي الأردنية، الجمعة 20/7/2001

 



 

الرئيسية
المقدمة
سيرة حياته
مؤلفاته
نصوص مختارة
قراءات
البوم الصور
مقالات عن محمود درويش
فيديو
سجل الزوار
English